ابن تيمية

47

مجموعة الرسائل والمسائل

وأسمائه فهذا قد أصاب ، فالإنسان وجميع ما يقوم به من الأصوات والحركات وغيرها مخلوق كائن بعد أن لم يكن ، والرب تعالى بما يقوم به من صفاته وكلماته وأفعاله غير مخلوق ، والعباد إذا قرؤوا كلامه فإن كلامه الذي يقرؤونه هو كلامه لا كلام غيره ، وكلامه الذي تكلم به لا يكون مخلوقاً وكان ما يقرؤون به كلامه من حركاتهم وأصواتهم مخلوقاً ، وكذلك ما يكتب في المصاحف من كلامه فهو كلامه مكتوباً في المصاحف وكلامه غير مخلوق ، والمداد الذي يكتب به كلامه وغير كلامه مخلوق ، وقد فرق سبحانه وتعالى بين كلامه وبين مداد كلماته بقوله تعالى : " قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً " وكلمات الله غير مخلوقة والمداد الذي يكتب به كلمات الله مخلوق والقرآن المكتوب في المصاحف غير مخلوق ، وكذلك المكتوب في اللوح المحفوظ وغيره قال تعالى : " بل هو قرآن مجيد ، في لوح محفوظ " وقال : " كلا إنها تذكرة ، فمن شاء ذكره ، في صحف مكرمة ، مرفوعة مطهرة " . وقال تعالى : " يتلو صحفنا مطهرة ، فيها كتب قيمة " وقال : " إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون ، لا يمسه إلا المطهرون " . فصل : فهذا المتنازعان اللذان تنازعا في الأحرف التي أنزلها الله على آدم ، فقال أحدهما : إنها قديمة وليس لها مبتدأ وشكلها ونقطها محدث . وقال الآخر : إنها ليست بكلام وإنها مخلوقة بشكلها ونقطها وإن القديم هو الله وكلامه منه بدأ وإليه يعود منزل غير مخلوق ، ولكنه كتب بها ، وسؤالهما أن نبين لهما الصواب وأيهما أصح اعتقاداً ، يقال لهما : يحتاج بيان الصواب إلى بيان ما في السؤال من الكلام المجمل فإن كثيراً من نزاع العقلاء لكونهما ( 1 ) لا يتصوران مورد النزاع تصوراً

--> ( 1 ) أي لكون المتنازعين منهم